English


ذكرى رحيل الشيخ عبدالله

الذكرى الأولى
الذكرى الثانية
الذكرى الثالثة

 



بعد رحيل الشيخ عبدالله --> الذكرى الأولى

الشيخ عبدالله رجل صنع زمانه فأكرمه تاريخه *د.ياسين سعيد نعمان

شكل رحيل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر عن دار الدنيا إلى دار الآخرة علامة فارقة في حياة اليمن المعاصر ، بمعنى أن أي مؤرخ يتصدى لكتابة تاريخ اليمن المعاصر لن يكون بمقدوره أن يتخطى هذا الحدث وهو يصمم صورة للمشهد السياسي والأحداث المكونة له.

لابد أن يتملى بعمق ويتتبع بحنكة المكانة الخاصة في المشهد السياسي لهذا الرجل الذي كان رحيله في هذا الوقت بالذات خسارة جسيمة للحياة السياسية والاجتماعية لليمن عموماً.

سيجد المؤرخ نفسه محاصراً بأسئلة ذات دلالة كبيرة من ذلك النوع الذي يعيد بناء الوقائع التاريخية في سباقات يتناغم فيها دور صناع هذه الوقائع والأحداث مع الزمن الذي عاشوه ، فيكونون شهداء على زمن مميز ويكون بدوره علامة على رجال مميزين.

وإذا كان البشر هم الذين يصنعون زمانهم فمما لا شك فيه بأن الزمن بعد ذلك لا يعرف إلا بهم ، وحينما نضع الزمن في مكان التاريخ تتجه المقاربة نحو جعل التاريخ أساساً لصناعة البشر لأن التاريخ هنا ، وإن بدا أنه مجموعة الأحداث والمعارك والوقائع التي يصنعها الإنسان ، يعيد بناء مكانة البشر حسب مساهماتهم في صناعة زمنهم في مساحة أوسع من رقعة الحياة ومن الوعي الإجتماعي ومن الإدراك المعرفي بقيمة الإنسان ومكانته بين أبناء شعبه وأمته.

وبقدر ما كان المغفور له بإذن الله جزءاً من الزمان والمكان بحيث لا يمكن فهم هذا الزمان وهذا المكان إلا به ، ولا يمكن قراءتهما بدقة إلا بحضوره ، فإنه قد نقل معه هذه المكانة إلى التاريخ بحيث أصبح بالضرورة جزءاً من هذا التاريخ ، أي لا يمكن فهمه أو عرضه بمعزل عن هذه الشخصية المحورية في صناعة أحداثه ووقائعه.

والحقيقة أن الشيخ عبدالله - رحمه الله - لم يقتحم الزمان والمكان منذ ما يربو على خمس وأربعين سنة محمولاً على أكتاف أسرة مناضلة ، كما يعتقد البعض ، وإنما اقتحم المعادلة التي أخذت تصاغ يومذاك بمشاعل الثورة السبتمبرية وأهدافها الوطنية بروح نضال هذه الأسرة وتضحياتها وبجسارة مناضل تصلب عوده في سجون الإمام وخرج إلى ساحة معركة كبيرة يبحث الوافدون إليها عن المكان الملائم لخنادقهم ، وهناك بالطبع فارق كبير بين أن يقتحم المعادلة محمولاً وأن يقتحمها راجلاً وعلى قدميه ككل الوافدين إلى الساحة الكبرى لمعركة الخلاص الوطني.

ويقدم لنا التاريخ نماذج ممن حملهم أباؤهم على أكتافهم فهووا إلى الأرض في أول منعطف وخرجوا من معادلة الزمان والمكان والتاريخ ، أما هو فقد خاض الصعب واختط طريقه حاملاً معه تاريخ أسرته المناضلة ، وكان بذلك مثالاً ناصعاً للمناضل الذي تزود من نضال أسرته بحاجته من قوة الدفع التي مكنته من الإنطلاق على طريق لم يكن مفروشاً بالورود ، إلى أن وضع إسمه في المكان اللائق به كمناضل وزعيم سياسي وكمرجعية إجتماعية ووطنية صاحب دور بارز في مجرى الأحداث السياسية والوطنية على مدى أربعة عقود هي عمر الثورة وما صاحبها من تطورات ومعارك ووقائع إتسمت بالتاريخية تجلياتها التي أدت إلى إعادة صياغة المشهد السياسي على صعيد الوطن اليمني كله.

وتشرح المذكرات التي خطها الشيخ عبدالله قصة كفاح لا تنتهي بوفاة صاحبها ، لأنها في إعتقادي لم تكن سيرة ذاتية مجردة بالمفهوم الذي دأب عليه الكثير من السياسيين ، فقد تشابكت في أجزاء واسعة منها مع مسارات الحياة السياسية الوطنية ، ولم تتشكل معها كما يحدث مع كثير من السير الذاتية بل تناغمت وتوحدت في أهم محطاتها التاريخية ، ذلك لأن كثيراً من هذه المسارات غالباً ما تطابق سيرها واتجاهها مع الخط العام لصاحب السيرة ، كما أن الشيخ عبدالله رحمه الله لم يتعامل بتعالي أو بإهمال مع المنعطفات التي دُفعت فيها المسارات الوطنية إلى إتجاهات أخرى مغايرة ، وفي الواقع فقد أعطى من تجربته بوعي مساحة هامة لقراءة كفاح الوطن بآفاقها التي لا يحدها زمن ولا حياة ولا موت .

ولهذا لابد أن يظل صاحب هذه السيرة حاضراً لأنه ترك قصة كفاح الوطن مفتوحة ولم يغلقها كما يفعل بعض السياسيين وبعض الزعماء في نهاية الفصل الأخير من كتابة سيرة حياتهم.

وخلال هذه السنة التي فارقنا فيها تحدث الكثيرون عن مناقب الشيخ عبدالله ، ونظر إليه البعض وكنت منهم بأنه كان ميزان الحياة السياسية والإجتماعية في البلاد ، غير أن هذا التقييم لا يضعه من وجهة نظري في المكان المحايد من الأحداث ، بل ويجب أن لا يكون هذا معناه لأنه كان صاحب موقف وصانع مواقف ، فعندما نقول ميزان فإننا نعني أن يأخذ موقفه من الموقع أو من الزاوية التي يتوازن فيها مع مبادئه وقناعاته سواءً اتفق فيها مع الآخرين أو اختلف ، وهذا النوع من الرجال لا يصر على الخطأ إذا ما تبين له فيما بعد الخطأ فيسارع إلى تصحيح الموقف وهو عمل لا يقدم عليه إلا الكبار ذوو المكانة العظيمة في قومهم وشعوبهم ، هؤلاء الذين تضعهم الحياة في الصدارة لابد أن يتحملوا العبء الأكبر في توفير حاجة بلدانهم وشعوبهم إلى الحكمة ، والحكمة ضالة المؤمن ، لا يجدها جاهزة ، بل يفتش عنها ، ويرهق نفسه في الوصول إليها ، وفي الوصول إليها لابد أن يخطئ ، وبداية الوصول إليها هو الاعتراف بالخطأ.

 

لقد كان الشيخ عبدالله في الصدارة ، وكان كبيراً ، وكان صاحب حكمة ، وحتى الذين اختلفوا معه أو اختلف معهم كانوا يرون فيه المرساة التي تشد السفينة وتحميها من العواصف ، كان الجميع يهرع إليه حين الملمات فيجدونه صاحب موقف لا ناصح فحسب . ومناضل مثله يعرف أن النصح هو أدنى شعب النضال وأنه الطريق الذي ينتهي بصاحبه إلى زاوية المشاهدة والحياد . وفي بعض الأحيان كان يجمع بين الموقف والنصيحة في صيغة تتجلى فيها جسارة المناضل وعبقرية الزعيم.

إن هذه السنة التي مرت على اليمن بغياب الشيخ عبدالله بدت وكأن السفينة تغادر مرساها ، لولا أنه قد ترك تجربة سياسية حاضرة في الوعي بدلالاتها التي لا يمكن إهمال تأثيرها المباشر وغير المباشر على فرقاء الحياة السياسية ، ولا يجوز بهذه المناسبة أن ننسى أو نتناسى الإستجابة الواعية التي عبر عنها الشيخ عبدالله لحاجة اليمن إلى الديمقراطية وكيف أنه خاض تجربة فريدة من موقعه الإجتماعي لصالح الحياة الديمقراطية من منطلق أن اليمن بتنوعه الثقافي والسياسي والإجتماعي والإقتصادي يحتاج إلى نظام ديمقراطي تعددي يساعد في الحفاظ على هويته ويمنع من التفكك ، والقاعدة عنده هي الحوار حيث إكتسب هذه الصفة من الطابع الثقافي للمشيخ في هذا الجزء من اليمن حيث علاقة الدم تفرض نمطاً من السلوك الإجتماعي والعلاقات الداخلية للقبيلة يكون فيها التكافؤ والتكافل والتفاهم الأساس المنظم لهذا السلوك ولهذه العلاقات ، ويكون التسلط فيها صفة منبوذة ، أي أن الحوار عنده - رحمه الله - كان ثقافة متأصلة ولهذا فإنه لم ينظر إلى الحوار بإعتباره إستهلاك الآخر بتوظيف ما لديه من إمكانيات وأفضليات ، وهو ما نحتاج إليه اليوم في ظروف صار إنتاج الأزمات فيها البديل الأوفر حظاً للتعاطي مع الشأن السياسي.

إن الحديث عن الشيخ عبدالله - رحمه الله - في نهاية العام الأول لرحيله يتجاوز مجرد الحديث عن الذكريات إلى تمثل تجربته في صياغة علاقة مفتوحة مع الكفاح الوطني لتبقى منارة للأجيال ، ففي عام 1993م كنا معاً في رحلة عمل مع فخامة الأخ الرئيس إلى شهارة ، وكان الشيخ عليه رحمة الله يتحدث عن الدول التي حكمت اليمن منذ فجر الإسلام ككتاب مفتوح على تاريخ يراه بعين السياسي الذي يرى أن التاريخ هو المستقبل ، هو القادم من الأيام ، وليس الأيام التي طواها الزمن.


طباعة هذه الصفحة طباعة هذه الصفحة

نشرت بتاريخ: 2010-01-17 (1663 قراءة)

[ رجوع ]
جميع الحقوق محفوظة © 2005-2017 موقع الشيخ - عبد الله بن حسين الأحمر
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية